حبيب الله الهاشمي الخوئي
263
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( بصير لا يوصف بالحاسة ) أما أنه بصير فقد مرّ تحقيقه في شرح الفصل السادس من الخطبة الأولى ، وأمّا تنزّهه عن الحواسّ فلأنّها من صفات الجسم ( رحيم لا يوصف بالرقة ) لما كان الرحمة في الخلق عبارة عن رقّة القلب والانفعال النفساني وهما من أوصاف الممكن فحيثما يطلق عليه لفظ الرحيم يراد به ما هو لازم الرحمة من الانعام والافضال ، وكذلك ساير الأوصاف الَّتي لا يصحّ اتّصافه تعالى بها باعتبار مباديها يوصف بها باعتبار غاياتها كالغضب في قوله : * ( « غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ » ) * ، فيراد به الانتقام والعقوبة لاستلزامه له ، والمكر في قوله : * ( « وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ » ) * فيراد به جزائه سبحانه لمكرهم بالجزاء السوء . ( تعنو الوجوه لعظمته ) أي تذلّ وتخضع لأنه الإله المطلق لكلّ موجود وممكن والعظيم الذي كلّ مقهور تحت مشيّته وإرادته وداخر تحت جلاله وجبروته وعظمته ( وتجب القلوب من مخافته ) أي ترجف وتضطرب من هيبته عند ملاحظتها لعظمة سلطانه وعلوّ شأنه . تنبيه قد وعدناك تحقيق الكلام في معنى متكلَّميّته تعالى وأنّ كلامه سبحانه حادث أو قديم فنقول : قد تواترت الأنباء عن الأنبياء والرّسل ، وأطبقت الشرائع والملل على كونه عزّ وجلّ متكلَّما لا خلاف لأحد في ذلك ، وإنما الخلاف في معنى كلامه تعالى وفي قدمه وحدوثه . فذهب أهل الحق من الامامية وفاقا للمعتزلة إلى أنّ كلامه تعالى مؤلَّف من حروف وأصوات قائمة بجوهر الهواء ، ومعنى كونه متكلَّما أنه موجد للكلام في جسم من الأجسام كالملك والشجر ونحو ذلك ، وعلى مذهبهم فالكلام حادث لأنه مؤلَّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة في الوجود ، وكلّ ما هو كذلك فهو حادث . وقالت الحنابلة : كلامه تعالى حروف وأصوات يقومان بذاته وأنه قديم ، وقد